المنجي بوسنينة
154
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
من خلال الإطار الذي قدّم فيه كتاباته في الخمسينات وبداية الستّينات ، حيث قدّم هذا الموقف مقابل الجماعيّة السائدة وقت ازدهار الدعوة إلى الاشتراكيّة . ومن هنا فهو يأخذ على فلاسفة الأخلاق في مجتمعنا العربي المعاصر أنّهم قد تناسوا دورهم الخطير في هذه الفترة الحرجة من تاريخنا ، فتنازلوا عن كلّ شيء لرجل الاقتصاد أو الاجتماع أو السياسة ، وكأنّ « الدولة » لا تتكفّل وحدها بحلّ كلّ « مشكلة خلقيّة » ، أو كأنّ خلاص « الفرد » رهن بقيام ضرب من « الرفاهيّة الماديّة » ، ويؤكّد « أنّ القيمة الخلقيّة ليست قيمة شاهد عاقل أو متأمّل ذكيّ يقتصر على فهم ما يجري من أحداث ، أو يكتفي بملاحظة الوقائع دون أن يتدخّل ، بل هي قيمة فاعل نشط ، أداة عاملة تنخرط في مجرى الأحداث لكي تسهم في الإنتاج ، وعلى هذا فإنّه يؤكّد أنّ الفضيلة أو القيمة الخلقيّة إنّما هي قيمة الحريّة من حيث هي إرادة . وبالإضافة إلى الأخلاق فقد اهتمّ بالفن والقيم الجماليّة وقد تمثّلت جهوده الجماليّة في دراسته « فلسفة الفن في الفكر المعاصر » ، و « الفنّان والإنسان » و « مشكلة الفن » بالإضافة إلى ترجمته لكتاب جون ديوي « الفن خبرة » ، حيث يرى أنّ من الضروريّ أن يصحب نشاط الحركات الفنيّة في بلادنا تيّارات فكريّة تعرف بها ، وهو يقدّم لنا في « فلسفة الفن في الفكر المعاصر » خلاصة لأهمّ الاتّجاهات الجماليّة في الفلسفة المعاصرة ، وهذا ما يبرّر لنا تسميته للكتاب بسبب غلبة الطابع الفلسفي على معظم هذه الاتجاهات الجماليّة وكون معظم أصحابها من الفلاسفة . ويحدّد لنا مهمّة الفن ودوره بأنّه تحليل الخبرة الجماليّة ، وهذا هو إسهام الدراسات الفلسفيّة في هذا المجال ، فإذا كانت الفلسفة في صميمها وصفا شاملا للخبرة الإنسانيّة فليس بدعا أن نرى الفلاسفة يهتمّون بتحليل « الخبرة الجماليّة » ، ويحرصون على فهم « الظاهرة الفنيّة » ، ويؤكّد على ذلك بقوله : « إنّ علم الجمال لا يزعم لنفسه حقّ توجيه الفنان في علمه ، بل هو يقتصر على دراسة « الفن » بوصفه خبرة بشريّة توسّع آفاق فهمنا للوجود الإنساني بصفة عامة » . ويرى أنّه على الرغم من أنّه توجد صعوبة في الحديث عن سمات عامة وخصائص مشتركة تجمع المذاهب المعاصرة في فلسفة الفنّ إلّا أنّها جميعا تكشف عن حرص معظم الفلاسفة على فهم دور الفن باعتباره نشاطا إبداعيّا يكشف عن حريّة الإنسان ، ويعبّر عن قدرته على تجاوز الواقع ، وهذا ما نجده أيضا في كتابه « الفنّان والإنسان » . يؤكد زكريا إبراهيم على أنّ الظاهرة الجماليّة ظاهرة إنسانيّة ، ويناقش مسألة الصلة بين الفن والإنسان ، ويتناول الفنّان - في أكثر من موضع وأكثر من كتاب - باعتباره باحثا عن القيم . فالإنسان ، أوّلا وقبل كلّ شيء ، يحاول أن ينفذ إلى نواة القيمة من خلال قشرة الواقع . وعلى ذلك فمهمته هنا إدراك صلة الخبرة البشريّة وأن يكتشف دور الفن في الحياة الإنسانيّة عامّة . فالفنان إنسان قبل أن يكون فنانا ، والخبرة الفنيّة تجربة بشريّة قبل أن تكون إلهاما خارقا أو وحيا فائقا للطبيعة . إن المقصود بالخبرة الجماليّة هنا هو تلك التجربة الكثيفة التي يقوم بها الفنان حين